121- جاء في رسالةٍ بعثها العلامة المعلمي
إلى العلامة أحمد شاكر يبين فيها سبب تاليفه "طليعة التنكيل" ، ومنبها
على الأخطاء الواقعة فيها ، ومسائلا له ..
جاء فيها
بعد السلام ..
قبل ثلاث
سنوات تقريبا جاء صديق لي من أهل الفضل بكتاب ، وناولني إياه ، فقرأت عنوانه فإذا
هو كتاب "تأنيب الخطيب" للأستاذ محمد زاهد الكوثري ، وكنت قد وقفت على
تعاليق للكوثري على ذيول الحفاظ ، وكتب أخرى ، فعرفت طريقته فلم تطب نفسي بمطالعة تأنيبه ، فرردت الكتاب على
صاحبي فألح أن أنظر فيه فرأيت أن أطيب نفسه بقراءة ورقة أو ورقتين ، فلما شرعت في
ذلك رأيت الأمر أشد جدا مما كنت أتوقع فبدا لي أن أكمل مطالعته ، وأقيد ..... ملاحظات
على مطاعنه في أئمة السنة ، وثقات رواتها ، فاجتمع عندي كثير .. وطبع نموذج بمصر
في رسالة بعنوان "طليعة التنكيل" لا أراكم إلا قد تفضلتم بالإطلاع عليها
، وآلمني أن الفاضل الذي علق عليها تصرف في مواضع من المتن بباعث النكاية في صاحب
التأنيب ، وذلك عندي خارج عن المقصود ، بل ربما يكون منافيا له ، وفي النكاية
العلمية كفاية لو كانت النكاية مقصودة لذاتها ، ثم وقعت في الطبع أغلاط كثيرة ،
ولا سيما في إهمال العلامات ، على ذلك فليس ذلك بناقص من شكري للناشر والمعلق .
من ترجمة
المعلمي للشيخ ماجد الزيادي في مقدمة كتاب "عمارة القبور"ص 53.
رحمه الله
فقد كان مدرسة للأخلاق ، ومثلا للسمو في الرد على المخالف ، وصدق والله في قوله إن
في النكاية العلمية كفاية فإذا أظهر الراد مقدار المردود عليه ، ومحله في العلم نطق القارئ بالحكم ، وكفي الراد مؤنته . وإذا صب
جام غضبه عليه باستعمال الشديد من اللألفاظ خرج عن حد الأدب ، وهدي أهل العلم ، واستمال
القارئ للمردود عليه .
اللهم
علمنا ما ينفعنا .
122- قال الإمام الموفق ابن قدامة المقدسي : ..كنت أتخيل في
الناصح [ابن الحنبلي]: أن يكون إماماً بارعاً ، وأفرح به للمذهب ؛ لما فضّله اللّه
به من شرف بيته ، وإعراق نسبه في الإِمامة، وما آتاه الله تعالى من بسط اللسان،
وجراءة الجنان ، وحدة الخاطر ، وسرعة الجواب ، وكثر الصواب ، وظننت أنه يكون في
الفتوى مبرزاً على أبيه وغيره ، إلى أن رأيت له فتاوى غيرُه فيها أَسَّدُ جواباً ،
وأكثر صواباً ، وظننت أنه ابتلي بذلك لمحبته تخطئة الناس ، واتباعه عيوبهم ، ولا
يبعد أن يعاقِبَ الله العبد بجنس ذنبه ـ إلى أن قال: ـ والناصح قد شغل كثيراً من
زمانه بالرد على الناس في تصانيفهم ، وكشف ما استتر من خطاياهم ، ومحبة بيان
سقطاتهم ، ولا يبلغ العبد حقيقة الإِيمان حتى يحبَ للناس ما يحبُ لنفسه ، أفتراه
يحب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته ، وعَيبِ تصانيفه ، وإظهار أخطائه ، وكما
لا يحب ذلك لنفسه ينبغي أن لا يحبه لغيره ، سيما للأئمة المتقدمين ، والعلماء المبرزين
، وقد أرانا الله تعالى آية في ذهابه عن الصواب في أشياء تظهر لمن هو دونه.. ذيل
طبقات الحنابلة 3/430.
123- قال
العلامة عبد الرحمن السعدي في كتاب مجموع الفوائد واقتناص الأوابد ص37:
يعجبني ما
وقع لبعض أهل العلم وهو: أنه كتب له آخر من أهل العلم والدين ينتقده انتقادا شديدا
في بعض المسائل ، ويزعم أنه مخطئ فيها ، حتى إنه قدح في قصده ونيته ، وقال مع ذلك
: إنه يدين الله ببغضه بناء على ما توهم من خطئه .. ، فأجاب المكتوب له :
اعلم يا
أخي أنك إذا تركت ما يجب عليك من المودة الدينية والأخوة الإسلامية ، وسلكت ما يحرم
عليك من اتهام أخيك بالقصد السيئ على فرض أنه أخطأ ، وتجنبت الدعوة بالحكمة في مثل
هذه الأمور ؛ فإني أخبرك قبل الشروع في جوابي لك عمّا انتقدته علي:
أني لا أترك ما يجب عليّ من الإقامة على مودتك
والاستمرار على محبتك المبنية على ما أعرفه من دينك انتصارا لنفسي ؛ بل أزيد على
ذلك بإقامة العذر لك بقدحك في أخيك أني أعرف أن الدافع لك على ذلك حسن قصد ، لكن
لم يصحبه علم يصححه ، ولا معرفة تبين مرتبته ، ولا ورع ، ورأي صحيح يوقف العبد عند
حده الذي أوجبه الشرع عليه ؛ فلحسن قصدك المتمحض أو الممتزج بشيء آخر ؛ قد عفوت لك
عمّا كان منك إلي من الاتهام بالقصد السيئ ؛ فهب أن الصواب معك يقينا ، فهل خطا
الإنسان دليل على سوء قصده ؟!
فلو كان
الأمر كذلك لتوجه رمي جميع علماء الأمة بالقصود السيئة ، فهل سلم أحد من الخطأ ،
وهل هذا القول الذي تجرأت عليه إلا مخالف لما أجمع عليه المسلمون من أنه لا يحل
رمي المسلم بالقصد السيئ إذا جاء في مسألة علمية دينية ، والله تعالى قد عفا عن
خطأ المؤمنين {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال :
الله قد فعلت .
ثم نقول:
هب أنه جاز للإنسان القدح في إرادة ما دلت القرائن والعلامات على قصده السيئ ، فيحل
القدح فيمن عندك من الأدلة والقرائن الكثيرة على بعده عن القصود السيئة ما لا يبرر
لك أن تتوهم فيه شيئا مما رميته به ، وأن الله أمر المؤمنين أن يظنوا بإخوانهم
خيرا إذا قيل فيهم خلاف ما يقتضيه الإيمان فقال تعالى {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ
ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا }
واعلم يا
أخي أن هذه المقدمة ليس الغرض منها مقابلتك بما قلت فإني قد ذكرت لك أني قد عفوت
لك عن حقي إذا كان لي حق ، ولكن الغرض النصيحة ، وأن أعرِّفك موقع هذا الاتهام
ومرتبته من الدين والعقل والمروءة الإنسانية .
ثم إنه بعد هذا أخذ يتكلم عن الجواب الذي انتقده
بما لا محل لذكره هنا ، وإنما الفائدة في هذه المقدمة . اهـ
قلت: سمعت
الشيخ عبد الله بن عقيل: في شريط "الشيخ عبد الرحمن السعدي كما عرفته"
ذكر نحو هذه الحادثة ، وأنها وقعت للشيخ ابن سعدي رحمه الله.
124- قال
القرافي في الذخيرة 1/42 :
عادة العرب
في سياق الامتنان تأخير الأفضل وتقديم المفضول على الأفضل .
125- قال
الإمام ابن سعدي ـ رحمه الله ـ في كتاب مجموع الفوائد واقتناص الأوابد ص39:
وقع رجل في
رجل من أهل الدين ، وجعل يعيبه ويُعَيِّن بعض ما يعيبه به ، فقال بعض الحاضرين له
:
هل أنت
متيقن ما عبته فيه ؟
ومن أي
طريق أخبرت به ؟
ثم إذا كان
الأمر الذي ذكرته يقينيا ؛ فهل يحل لك أن تعيبه أم لا ؟
أما الأول:
فإني أعر ف أنك لم تجالس الرجل ،وربما أنك لم تجتمع به ، وإنما بنيت كلامك على ما
يقوله بعض الناس عنه ، وهذا معلوم أنه لا يحل لك أن تبني على كلام الناس ، وقد علم
منهم الصادق والكاذب ، والمخبر عمّا رأى ، والمخبر عمّا سمع ، والكاذب الذي يخلق
ما يقول ؛ فاتضح أنه على كل هذه التقادير لا يحل لك القدح فيه .
ثم ننتقل
معك إلى المقام الثاني ، وهو : أنك متيقن أن فيه العيب الذي ذكرته ، وقد وصل إليك
بطريق يقيني ؛ فهل تكلمت معه ، ونصحته ، ونظرت هل له عذر أم لا ؟
فقال: لم
أتكلم معه في هذا بالكلية .
فقال له :
هذا لا يحل لك ، إنما يجب عليك إذا علمت من أخيك أمرا معيبا أن تنصحه بكل ما تقدر
عليه قبل كل شيء ، ثم إذا نصحته ، وأصر على العناد ؛ فانظر هل لك في عيبك له عند
الناس مصلحة ، وردع أم في ذلك خلاف ذلك ؟
وعلى
الأحوال كلها ، فأنت أظهرت في عيبك هذا له الغيرة على الدين وإنكار المنكر ، وأنت
في الحقيقة الذي فعل المنكر .
وما أكثر من يجري منه مثل هذه الأمور الضارة
التي يحمل عليها ضعف البصيرة ،وقلة الورع . الله أعلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق