226- في بدائع الفوائد للعلامة ابن القيم
3/1060:
كثير من
الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل
الرياسة فلا يصادفها ، فينتقض ما بينهما من المودة ، وهذا من جهل الصاحب الطالب
للعادة ، وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحي ، وذلك غلط فإن للرياسة
سكرة كسكرة الخمر أو أشد ، ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة
الدائمة الباقية ، فسكرتها فوق سكرة القهوة [الخمر] بكثير ومحال أن يرى من السكران
أخلاق الصاحي وطبعه ، ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط [فرعون]
بالخطاب اللين فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا ، ولذلك
تجد الناس كالمفطورين عليه ، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب رؤساء
العشائر والقبائل. وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون ( هل لك إلى أن
تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ) فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض لا مخرج الأمر ،
وقال (
إلى أن تزكى ) ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو ، وذكر
لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء ، ثم قال ( وأهديك إلى ربك )
أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك ، وقال ( إلى ربك ) استدعاء لإيمانه بربه
الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا.
وكذلك قول
إبراهيم الخليل لأبيه ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا ) فابتدأ
خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ، ثم اخرج الكلام معه مخرج
السؤال فقال ( لم تعبد ما لا يسمع ولا
يبصر ولا يغنى عنك شيئا ) ولم يقل: لا تعبد ، ثم قال ( يا أبت إني قد جاءني من
العلم ما لم يأتك ) فلم يقل له: جاهل لا علم عندك ، بل عدل عن هذه العبارة إلى
ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال : (جاءني من العلم ما لم يأتك ) ثم قال : (فاتبعني
أهدك صراطا سويا ) .
هذا مثل
قول موسى لفرعون ( وأهديك إلى ربك ) ، ثم قال ( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من
الرحمن فتكون للشيطان وليا ) فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف
على من يشفق عليه . وقال : ( يمسك ) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ، ثم نَكَّر
العذاب ، ثم ذكَر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار ، فأي خطاب ألطف وألين من هذا
؟
ونظير هذا
خطاب صاحب يس لقومه حيث قال: ( يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا
وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ) .
ونظير ذلك
قول نوح لقومه : ( يا قوم إني لكم نذير مبين أن أعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر
لكم ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ) .
وكذلك سائر
خطاب الأنبياء لأممهم في القرآن إذا تأملته وجدته ألين خطاب وألطفه بل خطاب الله
لعباده هو ألطف خطاب وألينه كقوله تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم
والذين من قبلكم ) الآيات ، وقوله تعالى (
يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا
ولو اجتمعوا له ) وقوله ( يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا
ولا يغرنكم بالله الغرور ) وتأمل ما في قوله تعالى ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا
لآدم فسجدوا إلا إبليس كان الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني
وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) من اللطف الذي سلب العقول
وقوله
تعالى ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ) على أحد التأويلين أي : نترككم
فلا ننصحكم ولا ندعوكم ونعرض عنكم إذ أعرضتم أنتم وأسرفتم.
وتأمل لطف
خطاب نذر الجن لقومهم وقولهم ( يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من
ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ) .اهـ
وفي كتاب «
الصداقة الصديق » لأبي حيان التوحيدي ص47:
وقال
المدائني : إذا ولي الصديق ، فأصبته على العشر من صداقته فليس بأخ سوء .
227- في
بدائع الفوائد للعلامة ابن القيم 3/876:
... وينبغي
أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه ، وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل ويفسر
بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى
ما ، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن ، فإنهم يفسرون الآية ويعربونها
بما يحتمله تركيب تلك الجملة ، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق ، وهذا غلط عظيم
يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره ، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر
وكلام آخر فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ ( والأرحامِ
إن الله كان عليكم رقيبا ) بالجر أنه قسم .
ومثل قول
بعضهم في قوله تعالى ( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ) إن المسجد مجرور
بالعطف على الضمير المجرور في به .
ومثل قول
بعضهم في قوله تعالى ( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك
وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ) إن ( المقيمين ) مجرور بواو القسم .
ونظائر ذلك
أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهى بكثير ، بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه
تفسيره بغيرها ، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانية ، فإن نسبة معانية
إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ ، بل أعظم ، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ
وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين = فكذلك
معانية أجل المعاني وأعظمها وأفخمها ، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا
تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم ، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد
الاحتمال النحوي الإعرابي ، فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها
في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها ، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى
بكلامه ، وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير ، فهذا
أصل من أصوله بل هو أهم أصوله .
228- في بدائع الفوائد للعلامة ابن القيم 3/877:
... فإن
قلتَ: هذا خلاف مذهب سيبويه !
قلتُ: فهل
يرتضي محصل برد موجب الدليل الصحيح لكونه خلاف قول عالم معين ؟!
هذه طريقة
الخفافيش ، فأما أهل البصائر فإنهم لا يردون الدليل وموجبه بقول معين أبدا ، وقليل
ما هم
، ولا ريب
أن أبا بشر [سيبويه] رحمه الله ضرب في هذا العلم بالقدح المعلى وأحرز من قصبات
سبقه واستولى من أمده على ما لم يستول عليه غيره ، فهو المصلي في هذا المضمار ،
ولكن لا يوجب ذلك أن يعتقد أنه أحاط بجميع كلام العرب ، وإن لا حق إلا ما قاله وكم
لسيبويه من نص قد خالفه جمهور أصحابه فيه والمبرزون منهم ، ولو ذهبنا نذكر ذلك
لطال الكلام به .
229- في
بدائع الفوائد للعلامة ابن القيم 3/1119:
تأمل سر (
الم )كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة فالألف إذا بدىء بها أولا كانت همزة ، وهي
أول المخارج من أقصى الصدر ، واللام من وسط مخارج الرحوف ، وهي أشد الحروف اعتمادا
على اللسان ، والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم ، وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف
أعني: الحلق واللسان والشفتين ، وترتبت في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى
النهاية .
فهذه
الحروف تعتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجا ، فيصير منها تسعة
وعشرون حرفا عليها مدار كلام الأمم الأولين والآخرين مع تضمنها سرا عجيبا
وهو : أن
الألف البداية ، واللام التوسط ، والميم النهاية ، فاشتملت الأحرف الثلاثة على
البداية والنهاية والواسطة بينهما ، وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة ، فهي
مشتملة على بدء الخلق ونهايته وتوسطه ، فمشتملة على تخليق العالم وغايته ، وعلى
التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر ، فتأمل ذلك في البقرة وآل عمران
وتنزيل السجدة وسورة الروم.
وتأمل
اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن ، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات
لم يجمعها غيرها وهي : الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق ، والسين مهموس رخو مستفل
صفيري منفتح فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين
اللذين جمعا صفات الحروف ، وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد
السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف ، فمن ذلك ق والسورة مبنية على الكلمات القافية
من ذكر القرآن ، وذكر الخلق ، وتكرير القول، ومراجعته مرارا ، والقرب من ابن آدم ،
وتلقي الملكين ، وقول العبد ، وذكر الرقيب ، وذكر السائق ، والقرين ، والإلقاء في
جهنم ، والتقدم بالوعيد ، وذكر المتقين ، وذكر القلب، والقرون ، والتنقيب في
البلاد، وذكر القبل مرتين ، وتشقق الأرض ،
وإلقاء الرواسي فيها ، وبسوق النخل ، والرزق ، وذكر القوم ، وحقوق الوعيد ، ولو لم
يكن إلا تكرار القول والمحاورة ، وسر آخر وهو : أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما
في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح .
وإذا أردت
زيادة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة ص من الخصومات المتعددة ، فأولها خصومة
الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم : أجعل الآلهة لها واحد إلى أخر كلامهم
، ثم اختصام الخصمين عند داود ، ثم تخاصم أهل النار ، ثم اختصم الملأ الأعلى في
العلم ، وهو: الدرجات والكفارات ، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود
لآدم ، ثم خصامه ثانيا في شأن بنيه وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم ، فليتأمل
اللبيب الفطن : هل يليق بهذه السورة غير ص ؟ وسورة ق غير حرفها ؟ وهذه قطرة من بحر
من بعض أسرار هذه الحروف ، والله أعلم .
230- قال
الصفدي في الغيث المسجم 1/36:
ويقال : إن
الحسين بن السمّاك كان يتكلم على رؤوس الناس بجامع المدينة ، وكان لا يحسن شيئا من
العلوم إلا ما شاء الله ، وكان مطبوعا بالتكلم على مذاهب الصوفية ، فرفعت إليه
رقعة فيها :
ما تقول
السادة الفقهاء في رجل مات وخلف كذا وكذا ؟
فلما
فتحتها ورأى ما فيها من الفرائض رماها من يده ، وقال: أنا أتكلم على مذاهب أقوام
إذا ماتوا لم يخلفوا شيئا !
فعجب
الحاضرون من سرعة جوابه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق