الجمعة، 7 يوليو 2017

226-230



226- في بدائع الفوائد للعلامة ابن القيم 3/1060:
كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها ، فينتقض ما بينهما من المودة ، وهذا من جهل الصاحب الطالب للعادة ، وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحي ، وذلك غلط فإن للرياسة سكرة كسكرة الخمر أو أشد ، ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية ، فسكرتها فوق سكرة القهوة [الخمر] بكثير ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه ، ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط [فرعون] بالخطاب اللين فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا ، ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه ، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب رؤساء العشائر والقبائل. وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون ( هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ) فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض لا مخرج الأمر ، وقال  (  إلى أن تزكى  )  ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو ، وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء ، ثم قال ( وأهديك إلى ربك ) أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك ، وقال ( إلى ربك ) استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا.
وكذلك قول إبراهيم الخليل لأبيه ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا ) فابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ، ثم اخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال (  لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا ) ولم يقل: لا تعبد ، ثم قال ( يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ) فلم يقل له: جاهل لا علم عندك ، بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال : (جاءني من العلم ما لم يأتك ) ثم قال : (فاتبعني أهدك صراطا سويا ) .
هذا مثل قول موسى لفرعون ( وأهديك إلى ربك ) ، ثم قال ( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا ) فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه . وقال : ( يمسك ) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ، ثم نَكَّر العذاب ، ثم ذكَر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار ، فأي خطاب ألطف وألين من هذا ؟
ونظير هذا خطاب صاحب يس لقومه حيث قال: ( يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ) .
ونظير ذلك قول نوح لقومه : ( يا قوم إني لكم نذير مبين أن أعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ) .
وكذلك سائر خطاب الأنبياء لأممهم في القرآن إذا تأملته وجدته ألين خطاب وألطفه بل خطاب الله لعباده هو ألطف خطاب وألينه كقوله تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ) الآيات ، وقوله تعالى  ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) وقوله ( يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) وتأمل ما في قوله تعالى ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) من اللطف الذي سلب العقول
وقوله تعالى ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين ) على أحد التأويلين أي : نترككم فلا ننصحكم ولا ندعوكم ونعرض عنكم إذ أعرضتم أنتم وأسرفتم.
وتأمل لطف خطاب نذر الجن لقومهم وقولهم ( يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ) .اهـ

وفي كتاب « الصداقة الصديق » لأبي حيان التوحيدي ص47:
وقال المدائني : إذا ولي الصديق ، فأصبته على العشر من صداقته فليس بأخ سوء .



227- في بدائع الفوائد للعلامة ابن القيم 3/876:
... وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه ، وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله عز وجل ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما ، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن ، فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق ، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره ، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ ( والأرحامِ إن الله كان عليكم رقيبا ) بالجر أنه قسم .
ومثل قول بعضهم في قوله تعالى ( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ) إن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في به .
ومثل قول بعضهم في قوله تعالى ( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة ) إن ( المقيمين ) مجرور بواو القسم .
ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا وأوهى بكثير ، بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانية ، فإن نسبة معانية إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ ، بل أعظم ، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين = فكذلك معانية أجل المعاني وأعظمها وأفخمها ، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم ، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي ، فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها ، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه ، وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير ، فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله .




228-  في بدائع الفوائد للعلامة ابن القيم 3/877:
... فإن قلتَ: هذا خلاف مذهب سيبويه !
قلتُ: فهل يرتضي محصل برد موجب الدليل الصحيح لكونه خلاف قول عالم معين ؟!
هذه طريقة الخفافيش ، فأما أهل البصائر فإنهم لا يردون الدليل وموجبه بقول معين أبدا ، وقليل ما هم
، ولا ريب أن أبا بشر [سيبويه] رحمه الله ضرب في هذا العلم بالقدح المعلى وأحرز من قصبات سبقه واستولى من أمده على ما لم يستول عليه غيره ، فهو المصلي في هذا المضمار ، ولكن لا يوجب ذلك أن يعتقد أنه أحاط بجميع كلام العرب ، وإن لا حق إلا ما قاله وكم لسيبويه من نص قد خالفه جمهور أصحابه فيه والمبرزون منهم ، ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال الكلام به .




229- في بدائع الفوائد للعلامة ابن القيم 3/1119:
تأمل سر ( الم )كيف اشتملت على هذه الحروف الثلاثة فالألف إذا بدىء بها أولا كانت همزة ، وهي أول المخارج من أقصى الصدر ، واللام من وسط مخارج الرحوف ، وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان ، والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم ، وهذه الثلاثة هي أصول مخارج الحروف أعني: الحلق واللسان والشفتين ، وترتبت في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية .
فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة التي تتفرع منها ستة عشر مخرجا ، فيصير منها تسعة وعشرون حرفا عليها مدار كلام الأمم الأولين والآخرين مع تضمنها سرا عجيبا
وهو : أن الألف البداية ، واللام التوسط ، والميم النهاية ، فاشتملت الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما ، وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف الثلاثة ، فهي مشتملة على بدء الخلق ونهايته وتوسطه ، فمشتملة على تخليق العالم وغايته ، وعلى التوسط بين البداية والنهاية من التشريع والأوامر ، فتأمل ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم.
وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن ، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي : الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق ، والسين مهموس رخو مستفل صفيري منفتح فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف ، وتأمل السور التي اشتملت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف ، فمن ذلك ق والسورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن ، وذكر الخلق ، وتكرير القول، ومراجعته مرارا ، والقرب من ابن آدم ، وتلقي الملكين ، وقول العبد ، وذكر الرقيب ، وذكر السائق ، والقرين ، والإلقاء في جهنم ، والتقدم بالوعيد ، وذكر المتقين ، وذكر القلب، والقرون ، والتنقيب في البلاد،  وذكر القبل مرتين ، وتشقق الأرض ، وإلقاء الرواسي فيها ، وبسوق النخل ، والرزق ، وذكر القوم ، وحقوق الوعيد ، ولو لم يكن إلا تكرار القول والمحاورة ، وسر آخر وهو : أن كل معاني هذه السورة مناسبة لما في حرف القاف من الشدة والجهر والعلو والانفتاح .
وإذا أردت زيادة إيضاح هذا فتأمل ما اشتملت عليه سورة ص من الخصومات المتعددة ، فأولها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم : أجعل الآلهة لها واحد إلى أخر كلامهم ، ثم اختصام الخصمين عند داود ، ثم تخاصم أهل النار ، ثم اختصم الملأ الأعلى في العلم ، وهو: الدرجات والكفارات ، ثم مخاصمة إبليس واعتراضه على ربه في أمره بالسجود لآدم ، ثم خصامه ثانيا في شأن بنيه وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم ، فليتأمل اللبيب الفطن : هل يليق بهذه السورة غير ص ؟ وسورة ق غير حرفها ؟ وهذه قطرة من بحر من بعض أسرار هذه الحروف ، والله أعلم .




230- قال الصفدي في الغيث المسجم 1/36:
ويقال : إن الحسين بن السمّاك كان يتكلم على رؤوس الناس بجامع المدينة ، وكان لا يحسن شيئا من العلوم إلا ما شاء الله ، وكان مطبوعا بالتكلم على مذاهب الصوفية ، فرفعت إليه رقعة فيها :
ما تقول السادة الفقهاء في رجل مات وخلف كذا وكذا ؟
فلما فتحتها ورأى ما فيها من الفرائض رماها من يده ، وقال: أنا أتكلم على مذاهب أقوام إذا ماتوا لم يخلفوا شيئا !

فعجب الحاضرون من سرعة جوابه .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق