146- قال الرافعي في تاريخ آداب العرب
ص16:
ولم تسقط
دولة العقول في هذه الأمة إلا منذ ابتدأ العلماء يعتبرون العلم فهم العلم كما هو ؛
فتهافتوا على ذلك باختصار الكتب ،وشرحها وتفتيقها بالحواشي والتعاليق "
الهوامش" ، وتلخيص المتون ؛ ونحو ذلك مما يورث الاضمحلال ، ويفقد العقل معنى
الاستقلال ، ويجعل القرائح كالظل المتنقل : كل آونة يقرب إلى الزوال.
وفي هامش
تلك الصفحة : مما نورده تفكها أن بعض العلماء كان لا يقرأ دروسه إلا في كتب مخطوطة
ـ تحققا بالعلم ـ ومن عادتهم في المخطوطات أن يكتبوا أوائل الكلمات في الشروح
والحواشي بالحمرة ؛ فكان صاحبنا يدفع نسخته لأنبغ طلبته ، يقرأ فيها ثم يشرح هو
بعده ، وكان إذا فرغ القارئ من جملة في المتن ، أعادها الشيخ ومطل بها صوته وفخم
كلماتها حتى يفرغ منها على هذا الوجه ، ثم يبتدئ الشرح بقوله للقارئ : قال أيه ،
قال :" شوف عندك الحمرا ياسيدي شوف "..
147- في
ترجمة الإمام أبي مظفر السمعاني في طبقات الشافعية الكبرى 5/336:
خرج إلى الحجاز على غير الطريق المعتاد ـ فإن
الطريق كان قد انقطع بسبب استيلاء العرب ـ فقطع عليه وعلى رفقته الطريق ، وأسروا
واستمر أبو المظفر مأسورا في أيدي عرب البادية صابرا إلى أن خلصه الله تعالى فحكي
أنه لما دخل البادية وأخذته العرب كان يخرج مع جمالها إلى الرعي ، قال: ولم أقل
لهم إني أعرف شيئا من العلم ، فاتفق أن مقدم العرب أراد أن يتزوج ، فقالوا: نخرج
إلى بعض البلاد ليعقد هذا العقد بعض الفقهاء ، فقال أحد الأسراء : هذا الرجل الذي
يخرج مع جمالكم إلى الصحراء فقيه خراسان!
فاستدعوني
وسألوني عن أشياء فأجبتهم ، وكلمتهم بالعربية ، فخجلوا واعتذروا ، وعقدت لهم العقد
ففرحوا وسألوني أن أقبل منهم شيئا ، فامتنعت وسألتهم فحملوني إلى مكة في وسط السنة
، وبقيت بها مجاورا ، وصحبت في تلك المدة سعدا الزنجاني .
قلت: في
هذه القصة بيان عملي لمكانة العلماء عند العامة بل حتى عند اللصوص و الفساق.
148- قال
أبو نعيم في حلية الأولياء 5/53 :
حدثنا
سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن القاسم ثنا مساور ثنا الوليد بن الفضل العتري ثنا مندل
بن علي قال: خرج الأعمش ذات يوم من منزله بسحر ، فمر بمسجد بني أسد ، وقد أقام
المؤذن الصلاة ، فدخل يصلي ، فافتتح إمامهم البقرة في الركعة الأولى ، ثم قرأ في
الثانية آل عمران ، فلما انصرف ، قال له الأعمش: أما تتقي الله أما سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول:" من أم الناس فليخفف فإن خلفه الكبير والضعيف وذا
الحاجة " ؟
فقال :
الإمام قال الله تعالى { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} !
فقال
الأعمش: فأنا رسول الخاشعين إليك أنك ثقيل!
149- في
كتاب الأغاني لأبي الفرج 3/135:
وكان بشار [
بن برد ]يقول : هجوت جريرا ، فأعرض عني واستصغرني * ، ولو أجابني لكنت أشعر
الناس.
قلت: قد
أحسن جرير في الإعراض عنه ، وهكذا ينبغي للكبار الإعراض عن الصغار ،
والسفلة ، وعدم الالتفات لتهويشهم فهو أنفع دواء لهم .
* توفي
جرير عام 110هـ و ولد بشار عام 95هـ .
150- قال
العلامة أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة 1/30:
كنت أمتحنت بالأسار سنة عارضت القرامطة
الحاج بالهبير ، وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربًا عامتهم من هوازن ، وأختلط
بهم أصرام من تميم ، وأسد بالهبير نشئوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام
النجع ، ويرجعون إلى أعداد المياه ، ويرعون النعم ، ويعيشون بألبانها ، ويتكلمون
بطبائعهم البدوية ، وقرائحهم التي اعتادوها ، ولا يكاد يقع في منطقهم لحن أو خطأ
فاحش فبقيت في أسارهم دهرا طويلا وكنا نتشتى الدهناء ، ونتربع الصمان ، ونتقيظ
الستارين ، واستفدت من مخاطبتهم ومحاورة بعضهم بعضا ألفاظا جمة ، ونوادر كثيرة
أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب اهـ.
قلت: رب ضارة نافعة ، فقد كان علماء
اللغة يطلبونها عند الأعراب ، وربما مكثوا سنين طويلة .
وهذا من توفيق له الله أن جعل في محنته
منحة .
وقد وقع نحو هذا لكثير الفضلاء الذي
ابتلوا بالسجن ؛ فوفقوا للحفظ ، وقراءة كثير من الكتب المطولة التي ما كان يخطر
لهم التمكن من قراءتها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق