الجمعة، 7 يوليو 2017

146-150


146- قال الرافعي في تاريخ آداب العرب ص16:
ولم تسقط دولة العقول في هذه الأمة إلا منذ ابتدأ العلماء يعتبرون العلم فهم العلم كما هو ؛ فتهافتوا على ذلك باختصار الكتب ،وشرحها وتفتيقها بالحواشي والتعاليق " الهوامش" ، وتلخيص المتون ؛ ونحو ذلك مما يورث الاضمحلال ، ويفقد العقل معنى الاستقلال ، ويجعل القرائح كالظل المتنقل : كل آونة يقرب إلى الزوال.
وفي هامش تلك الصفحة : مما نورده تفكها أن بعض العلماء كان لا يقرأ دروسه إلا في كتب مخطوطة ـ تحققا بالعلم ـ ومن عادتهم في المخطوطات أن يكتبوا أوائل الكلمات في الشروح والحواشي بالحمرة ؛ فكان صاحبنا يدفع نسخته لأنبغ طلبته ، يقرأ فيها ثم يشرح هو بعده ، وكان إذا فرغ القارئ من جملة في المتن ، أعادها الشيخ ومطل بها صوته وفخم كلماتها حتى يفرغ منها على هذا الوجه ، ثم يبتدئ الشرح بقوله للقارئ : قال أيه ، قال :" شوف عندك الحمرا ياسيدي شوف "..



147- في ترجمة الإمام أبي مظفر السمعاني في طبقات الشافعية الكبرى 5/336:
    خرج إلى الحجاز على غير الطريق المعتاد ـ فإن الطريق كان قد انقطع بسبب استيلاء العرب ـ فقطع عليه وعلى رفقته الطريق ، وأسروا واستمر أبو المظفر مأسورا في أيدي عرب البادية صابرا إلى أن خلصه الله تعالى فحكي أنه لما دخل البادية وأخذته العرب كان يخرج مع جمالها إلى الرعي ، قال: ولم أقل لهم إني أعرف شيئا من العلم ، فاتفق أن مقدم العرب أراد أن يتزوج ، فقالوا: نخرج إلى بعض البلاد ليعقد هذا العقد بعض الفقهاء ، فقال أحد الأسراء : هذا الرجل الذي يخرج مع جمالكم إلى الصحراء فقيه خراسان!
فاستدعوني وسألوني عن أشياء فأجبتهم ، وكلمتهم بالعربية ، فخجلوا واعتذروا ، وعقدت لهم العقد ففرحوا وسألوني أن أقبل منهم شيئا ، فامتنعت وسألتهم فحملوني إلى مكة في وسط السنة ، وبقيت بها مجاورا ، وصحبت في تلك المدة سعدا الزنجاني .   
قلت: في هذه القصة بيان عملي لمكانة العلماء عند العامة بل حتى عند اللصوص و الفساق.



148- قال أبو نعيم في حلية الأولياء 5/53 :
حدثنا سليمان بن أحمد ثنا أحمد بن القاسم ثنا مساور ثنا الوليد بن الفضل العتري ثنا مندل بن علي قال: خرج الأعمش ذات يوم من منزله بسحر ، فمر بمسجد بني أسد ، وقد أقام المؤذن الصلاة ، فدخل يصلي ، فافتتح إمامهم البقرة في الركعة الأولى ، ثم قرأ في الثانية آل عمران ، فلما انصرف ، قال له الأعمش: أما تتقي الله أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من أم الناس فليخفف فإن خلفه الكبير والضعيف وذا الحاجة " ؟
فقال : الإمام قال الله تعالى { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} !
فقال الأعمش: فأنا رسول الخاشعين إليك أنك ثقيل!



149- في كتاب الأغاني لأبي الفرج 3/135:
وكان بشار [ بن برد ]يقول : هجوت جريرا ، فأعرض عني واستصغرني * ، ولو أجابني لكنت أشعر الناس.
قلت: قد أحسن جرير في الإعراض عنه ، وهكذا ينبغي للكبار الإعراض عن الصغار ، والسفلة ، وعدم الالتفات لتهويشهم فهو أنفع دواء لهم .
* توفي جرير عام 110هـ  و ولد بشار عام 95هـ  .



150- قال العلامة أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة 1/30:
كنت أمتحنت بالأسار سنة عارضت القرامطة الحاج بالهبير ، وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربًا عامتهم من هوازن ، وأختلط بهم أصرام من تميم ، وأسد بالهبير نشئوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع ، ويرجعون إلى أعداد المياه ، ويرعون النعم ، ويعيشون بألبانها ، ويتكلمون بطبائعهم البدوية ، وقرائحهم التي اعتادوها ، ولا يكاد يقع في منطقهم لحن أو خطأ فاحش فبقيت في أسارهم دهرا طويلا وكنا نتشتى الدهناء ، ونتربع الصمان ، ونتقيظ الستارين ، واستفدت من مخاطبتهم ومحاورة بعضهم بعضا ألفاظا جمة ، ونوادر كثيرة أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب اهـ.
قلت: رب ضارة نافعة ، فقد كان علماء اللغة يطلبونها عند الأعراب ، وربما مكثوا سنين طويلة .
وهذا من توفيق له الله أن جعل في محنته منحة .

وقد وقع نحو هذا لكثير الفضلاء الذي ابتلوا بالسجن ؛ فوفقوا للحفظ ، وقراءة كثير من الكتب المطولة التي ما كان يخطر لهم التمكن من قراءتها .  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق